سهيلة عبد الباعث الترجمان
497
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الحقيقة . فابن عربي كما يبدو لنا حريص على إظهار مدى صدق علومه وتحققه بالمعرفة الكاملة ، وذلك بالكشف عن الأسرار الإلهية ، فهو في مقام المعرفة الحقة ، وانعدام ذلك للفيلسوف حيث ينتهي إلى الحيرة والتشكك وبلبلة الخواطر ، واليأس ممّا أنفقه من العمر في ضياع ، وعدم التحقق بكمال المعرفة الحقة « 1 » . فابن عربي إذن قد أقام مذهبه على قواعد التصوف الصحيحة القائمة على الشريعة المرتبطة بالحقيقة ، واستخلاص الطريقة التي أوصلته إلى قمة الصفاء الروحي القائمة على منهجه الذوقي ، نتيجة تجليات الذات الإلهية بأسمائها وصفاتها ، فتحقق بذلك معراجه الروحي حيث تمّ له الكشف عن الحقائق التي غابت على أهل النظر والفكر . طبيعة التصوف عند ابن عربي : لكن ما طبيعة هذا التصوف عند ابن عربي ؟ هل كان تصوفا فلسفيا ؟ أم أنه كان تصوفا خالصا قائما على الكتاب والسنة والمنهج الصوفي في المعرفة الإلهية ؟ بمعنى آخر إلى أي مدى يمكن اعتبار ابن عربي صوفيا متفلسفا مزج الفلسفة بالتصوف ؟ . الواقع إن ابن عربي لم يكن فيلسوفا ، ولم ينهج في أفكاره نهجا فلسفيا باستخدام المنطق والفكر والنظر والاستدلال العقلي والحسي ، إنما كان متصوفا متحققا ، جامعا للكمال والحكمة ، مستندا إلى الكتاب والسنة ، جامعا بين الحقيقة والشريعة لقوله : من رمى ميزان الشريعة من يده فقد هلك . كذلك فهو لم يعالج فكرة وحدة الوجود على النحو الذي عرف في الديانات القديمة والفلسفات القائلة بالاتحاد والحلول وما تنطوي عليه من أفكار تهدم الشريعة . ولم يقل بوحدة وجود مادية تجمع بين الروح والمادة على غرار ما عرفه فلاسفة اليونان ، إنما فكرته مغايرة لذلك ، فهي تفرق بين اللّه والعالم ، وترى أن هذا العالم الظاهر لا وجود له حقا ، إنما الوجود الحق للّه تعالى ، فليس هو العالم ولا العالم هو « 2 » .
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، باب كيمياء السعادة ، ص 272 . ( 2 ) عزام ( عبد الوهاب ) ، التصوف وفريد الدين العطار ، الجزء الأول ، القاهرة ، 1945 ، ص 80 .